ابن قيم الجوزية

33

الوابل الصيب من الكلم الطيب

كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها » . قال أبو هريرة : فأنا رأيت رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول بإصبعه هكذا في جبته ، فرأيته يوسعها ولا تسع . ولما كان البخيل محبوساً عن الإحسان ممنوعاً عن البر والخير وكان جزاؤه من جنس عمله ، فهو ضيق الصدر ممنوع من الانشراح ضيق العطن صغير النفس قليل الفرح كثير الهم والغم والحزن لا يكاد تقضى له حاجة ولا يعان على مطلوب . فهو كرجل عليه جبة من حديد قد جمعت يداه إلى عنقه بحيث لا يتمكن من إخراجها ولا حركتها ، وكلما أراد إخراجها أو توسيع تلك الجبة لزمت كل حلقة من حلقها موضعها . وهكذا البخيل كلما أراد أن يتصدق منعه بخله فبقي قلبه في سجنه كما هو . والمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه وانفسح بها صدره فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه ، فكلما تصدق اتسع وانفسح وانشرح وقوي فرحه وعظم سروره ، ولو لم يكن في الصدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبد حقيقاً بالاستكثار منها والمبادرة إليها . وقد قال تعالى { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ، كان عبد الرحمن بن عوف - أو سعد بن أبي وقاص - يطوف بالبيت وليس له دأب إلا هذه الدعوة : رب قني شح نفسي ، رب قني شح نفسي . فقيل له : أما تدعو بغير هذه الدعوة ، فقال : إذا وقيت شح نفسي فقد أفلحت . والفرق بين الشح والبخل أن الشح هو شدة الحرص على الشيء والاحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النفس عليه ، والبخل منع إنفاقه بعد حصوله وحبه وإمساكه ، فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله ، فالبخل تمرة الشح والشح يدعو إلى البخل والشح كامن في النفس ، فمن بخل فقد أطاع شحه ومن لم يبخل فقد عصي شحه ووقي شره ، وذلك هو المفلح { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .